– اختتمت بنجاح فعاليات الندوة 14 للبرنامج الأكاديمي “شعوب وثقافات” –

تيرانا – ألبانيا، 11 يناير 2019 م

المسلمون أصبحوا جزءً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والديني والثقافي للمجتمعات الأوروبية، وأن التشريعات الأوروبية، ودولها تضمن للمسلمين ممارستهم لشعائرهم التعبدية دون قيد أو إكراه، فهم مكون مهم من مكونات المجتمعات الأوروبية. كانت هذه رسالة الندوة بعنوان “المسلمون في أوروبا عامل للتفاهم والتقدم”، والتي نظمها المركز الألباني للفكر والحضارة الإسلامية في إطار برنامجه الأكاديمي “شعوب وثقافات”. ويسعى هذا البرنامج إلى إثراء الفكر والثقافة في ألبانيا بتقديم وجهات نظر جديدة ومعارف قيمة ونماذج ناجحة من مختلف ثقافات العالم، إلى الجمهور الألباني. من أجل ذلك يتم في كل حلقة من هذا البرنامج دعوة شخصية علمية وفكرية من خارج ألبانيا وتنظيم ندوات ومحاضرات معهم.

وكان ضيف هذه الحلقة من البرنامج الدكتور محمد البشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات الإسلامية وأحد القادة والمفكرين البارزين للمسلمين في أوروبا. وحضر في الندوة التي أقيمت في فندق “International Tirana Hotel”، عدد كبير من أكاديميين والمثقفين وممثلي المؤسسات الرسمية والسلك الديبلوماسي المعتمد في ألبانيا. وكان من ضمنهم السفيرة الفرنسية في ألبانيا السيدة / كريستينا واساك (Christina Vasak)، ممثل السفارة المصرية في ألبانيا القنصلة / إيناس فيصل، ممثل السفارة السعودية في ألبانيا / السيد محمد البحيري، وممثل السفارة الفلسطينية القنصل كرم فرج، والسفير الألباني الأسبق في دولة الإمارات السيد / بهار بيكو، ومدير الأرشيف الأستاذ الدكتور تقي كورتي، ورئيسة جامعة تيرانا الأوروبية الأستاذة / نيفيلا نيكا وغيرهم من الشخصيات.

وافتتح الندوة مدير المركز الألباني للفكر والحضارة الإسلامية، الدكتور / أرديان موهاي. بعد أن تقدم بالشكر للدكتور محمد البشاري لقبول دعوة المركز من طرفه، عرف الجمهور بإيجاز بأهداف البرنامج الأكاديمي “شعوب وثقافات” وبسيرة الدكتور محمد البشاري، ثم نقل الكلام إليه.

في بداية محاضرته، بعد إلقاء السلام والشكر للمنظمين والحاضرين، تحدث د. البشاري عن تاريخ العلاقة بين المسلمين وأوروبا والتي بدأت من فتح الأندلس؛ ومساهمة المسلمين في تكوين الحضارة الأوروبية؛ وعدد المسلمين في أوروبا الشرقية والغربية حالياً وطرق وجودهم فيها. وأكد خلال هذا الكلام أن العلاقة بين المسلمين وأوروبا شهدت تطورات مختلفة عبر العصور ولم تكن علاقة اصطدام فقط، بل هناك الكثير من التبادل الثقافي والاقتصادي والسياسي وللمسلمين جهود وآثار مهمة لتكوين الحضارة الأوروبية المعروفة اليوم.

ثم تناول الدكتور البشاري بالوصف والتحليل الوجود الإسلامي في دول أوروبا الغربية، الذي نتج عموماً عن هجرة المسلمين في أوروبا. وذكر أن لهذه الهجرة عدة مراحل: خلال عصر الاستعمار، ثم في الحقبة بين الحربين العالميتين، ثم في الفترة بعد الحرب العالمية الثانية، والمرحلة الحالية من هجرة لأسباب اقتصادية أو من الأزمات التي تعاني بعض الدول في الشرق الأوسط والأفريقية. وقدم صورة عن التكوين العرقي للأقليات المسلمة في دول أوروبا وإحصاءات عن أعدادهم.

وأثناء هذا الكلام ذكر الدكتور البشاري أربعة نماذج لكيفية تعامل دول أوروبا الغربية بالأقليات المسلمة فيها، وهي النموذج الأنغلو – ساكسوني، والنموذج الألماني، والنموذج النمساوي، والنموذج الفرنسي. ولكل من هذه النماذج خصائصه التشريعية لمعاملة المسلمين في إطار دولة علمانية، وبينها تفاوت في درجة الاعتراف القانوني كأقلية دينية، ولكن يبقى في أساس كل منهم إعطاء الحرية التامة والحق لممارسة الشعائر الدينية.

وأكد الدكتور البشاري أن وجود المسلمين في أوروبا انتقل من مرحلة الجاليات العرقية إلى مرحلة الأقليات الدينية، فأصبح المسلمون اليوم مكون مهم من مكونات المجتمع الأوروبي. ولكن حذر أنهم أمام تحديات تهدد هذا الوضع، وهي خطر التطرف الناتج عن سوء فهم الإسلام ووسطيته، واستغلال هذه الأقليات من جهات مختلفة تسعى إلى توظيفها لأجندتها السياسية، سواءً داخل أوروبا أو خارجها. لذلك شدد على أهمية عمل المجلس العالمي للأقليات المسلمة على محورين رئيسيين، وهما: تعزيز قيم المواطنة الصالحة بين المسلمين في هذه الأقليات، وولاؤهم الوطني للدول التي يعيشون فيها. ولحصول ذلك أكد الدكتور على ضرورة تجديد الخطاب والتعليم الديني ونشر فقه المواطنة بين الأقليات المسلمة. وذكر الدكتور أن بغض النظر عن هذه الأخطار هناك إرادة سياسية قوية من قبل قيادات دول الاتحاد الأوروبي لاعتبار المسلمين مكون من مكونات المجتمعات الأوروبية، وهذا تم نصه في عدة قرارات واتفاقيات للمجلس الأوروبي. وذكر أن كثيراً من المسلمين أو من أبناء الجاليات المسلمة وصلوا إلى مناصب عالية في حكومة أو برلمان أو بلديات عدد من دول أوروبية مثل فرنسا، بلجيكا، هولاندا، بريطنيا، دانمارك، سويد وغيرها، ما يدل على اندماجهم الناجح.

بعد المحاضرة فتح للمجال للسؤال من الحاضرين، وخاصة عن مساهمة المسلمين في العلوم والثقافة. وجاوب الدكتور البشاري أن الكثير من أبناء المسلمين وصلوا إلى درجات عالية في المسيرة الأكاديمية حيث أصبحوا رؤساء جامعات ومراكز علمية مهمة في فرنسا وفي ناسا، كما أن كثير منهم نجحوا في مجالات الثقافة والرياضة مثل وغيرها. وفي النهاية قام رئيس مجلس إدارة المركز د. فاروق بوروفا بتقديم الشكر للدكتور محمد البشاري باسم جميع الحاضرين في الندوة، لمحاضرته القيمة والمهمة والتي قدمت صورة حقيقية لوجود المسلمين في أوروبا والتحديات التي تكون أمامهم. ثم منح له شهادة تقدير لمساهمته القيمة في مسيرة البرنامج الأكاديمي “شعوب وثقافات”.